الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

غضب القارئ

القارئ يشعر بغضب لا يستطيع التعبير عنه، حين يرى انتشار النفاق والمنافقين في كل مجال من حوله، وحين يشاهد برنامجاً تلفزيونياً أو يقرأ مقالاً في صحيفة أو مجلة أو موقع إلكتروني.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(24)]

ذهبت لأجري حوارا صحافيا ذات يوم، في بيت أحد المفكرين الإسلاميين، وبينما كان الحوار يجري فتح الباب فجأة، وإذا بامرأة بدينة عملاقة، تحمل ملقطا خشبيا كبيرا يستعمل لنهل الملابس أثناء غسيلها أيام الغسالات الحوضية العتيقة.

بهتنا أنا ومضيفي في قاهرة المعز، صاحب البيت، فقد كان يحكي لي قبل قليل عن المرأة، عموما، وعن علاقته المميزة بها في جميع مراحل حياته. وكان يمسح لحيته الطويلة وشاربيه المحلوقين بتباه وبطء وهو يسرد لي أعاجيب التطور الذي يؤمن به هو والفكر الذي يحمله.

قفز المفكر من مقعده، وقال بخجل وانكسار “الله! في إيه يا حبيبتي؟” وخرج يحادثها بعد أن أغلق الباب، وأخذت أسمع أصوات الحوار الحضاري. عاد مبتسماً بعدها، ولكن في عينيه انكسار واضح.

كان ذلك المنافق، شيخاً من الخارج، مهلاساً من الداخل، ولكن الله سلط عليه زوجته تلك، فعاملته معاملة تليق به. ومن هذا النموذج تجد كثيرين، يعيشون داخل تمثال شمعي يختارونه لأنفسهم، وخلف قشرته تجد أناساً آخرين.

ولا يمل المرء من العودة إلى النص العميق الطريف المسمى “المقامة النفاقية” والذي أعدّه تحفة فنية في غضب الكاتب العالم ابن القيم على المنافقين، حتى لتكاد تفلت منه اللغة إلى الإبداع في النعت.

يقول ابن القيم عن المنافقين “لقد نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم فلا يجدون له مسيغاً. تبّا لهم، أحسن الناس أجساماً، وأخلبهم لساناً، وألطفهم بياناً، وأخبثهم قلوباً، وأضعفهم جناناً”.

ويضيف بعد أن يبلغ الغضب منه مبلغاً كبيرا “لا تستطل أوصاف القوم، فالمتروك، والله، أكثر من المذكور. كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور”.

مع أن ابن القيم كان موسوعيا يحب الحياة، يقول “ﻻ ﺗﻔﺴﺪ ﻓﺮﺣﺘﻚ ﺑﺎﻟﻘﻠﻖ، ﻭﻻ ﺗﻔﺴﺪ ﻋﻘﻠﻚ ﺑﺎﻟﺘﺸﺎﺅﻡ، ﻭﻻ ﺗﻔﺴﺪ ﻧﺠﺎﺣﻚ ﺑﺎﻟﻐﺮﻭﺭ، ﻭﻻ ﺗﻔﺴﺪ ﺗﻔﺎﺅﻝ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﺑﺈﺣﺒﺎﻃﻬﻢ، ﻭﻻ ﺗﻔﺴﺪ ﻳﻮﻣﻚ ﺑﺎﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻣﺲ”.

ويشعر القارئ بغضب لا يستطيع التعبير عنه، حين يرى انتشار النفاق والمنافقين في كل مجال من حوله، وحين يشاهد برنامجاً تلفزيونياً أو يقرأ مقالاً في صحيفة أو مجلة أو موقع إلكتروني، ولو أن العلماء يوظفون الطاقة الناتجة عن ذلك الغضب، بوضع دواسات للقراء كتلك المستعملة في الدراجات الهوائية أثناء الاطلاع على ما يقول المنافقون ويفعلون، لحصلنا على اكتفاء ذاتي في الكهرباء، لكنها مهدورة. فالمنافقون لا نفع منهم في شيء.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر