الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

سراب الانتخابات في أرض الآيات

الانتخابات في إيران تبين أن مساحة الفكر الإصلاحي داخل مؤسسات الدولة قد ضاقت كثيرا، وقد تصير قريبا في عداد المعدوم.

العرب سعيد ناشيد [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(13)]

إطلالة سريعة على مختلف وسائل الإعلام العالمي تُبين أنّ القليل منها لا يزال مهتمّا بشيء اسمه الانتخابات في إيران. بكل تأكيد، إذا ظهر السبب بطل العجب: لقد انتفى عنصر المفاجأة، وهذا كل ما في الأمر، لكن، قبل سنوات قليلة فقط لم يكن الأمر كذلك. كان من شأن الانتخابات في إيران أن تسفر عن نتائج غير متوقعة، وقد ينجم عنها تغير ولو طفيف في سلوك النظام الحاكم. مثلا، صعود أبوالحسن بني صدر في انتخابات 1981 رغم أن منافسه وقتها حسن حبيبي قد حظي بدعم كامل من طرف الخميني، وأيضا صعود محمد خاتمي في انتخابات 1987 رغم أن منافسه ناطق نوري قد حظي بدعم كامل من طرف المرشد الأعلى علي خامنئي.

بل أكثر من ذلك، في مستوى الفكر الاستراتيجي الكوني كانت الانتخابات الإيرانية فرصة أيضا لاختبار فرضية طالما ألهمت الكثيرين منذ ثمانينات القرن الماضي. وهي أن العملية الانتخابية في حد ذاتها قد تكون عاملا إيجابيا لتطوير الفكر السياسي لدى المسلمين.

لكن، في إيران، بعد سنوات طويلة من الانتخابات اتجه الفكر السياسي إلى المزيد من الانغلاق، وأصبح المرشد الأعلى متحكما في العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها، وأصبح المرشّحون جميعهم لا يخرجون عن جبّة المرشد الأعلى. هكذا أمسى الأمر أقرب ما يكون إلى الانتخابات الصورية التي تدور في دائرة مفرغة، بحيث يختار الناخب بين شخصية منغلقة وأخرى أقل انغلاقا. فضلا عن ذلك- وهذا ليس بالمعطى الهين في الانتخابات الإيرانية- فضمن الناخبين هناك أكثر من نصف مليون من الحرس الثوري، والذي يمثل القوة الضاربة للمرشد الأعلى.

بالنسبة إلى انتخابات الجمعة 19 مايو الجاري، كان هناك في بادئ الأمر المئات من طلبات الترشيح، ثم انتقى مجلس صيانة الدستور ستة مرشحين فقط ممن رضي عنهم المرشد الأعلى ورضوا عنه. وبعد انسحاب عمدة طهران محمد باقر قاليب لفائدة رجل الدين إبراهيم رئيسي (صاحب العمامة السوداء)، وكذلك بعد انسحاب إسحاق جهانغيري لفائدة رجل الدين حسن روحاني (صاحب العمامة البيضاء)، يبدو أن الخيار سينحصر في الأخير بين إبراهيم رئيسي والذي يهيمن على التيار المحافظ، وحسن روحاني الذي لا يمثل التيار الإصلاحي على وجه الدقة، وإنما يمثل بالنسبة إلى الإصلاحيين الرجل الأقل سوءا. هذا يعني أن الخيار سينحصر في الأخير بين السيء والأسوأ.

الواقع الذي يكذب الأيديولوجيا

هذه الانتخابات تبين، بما لا يدع مجالا للشك، أن مساحة الفكر الإصلاحي داخل مؤسسات الدولة قد ضاقت كثيرا، وقد تصير قريبا في عداد المعدوم، وأن النظام- الذي يصرح دستوره بالهوية المذهبية الطائفية للدولة- يتجه بخطى حثيثة نحو المزيد من الانغلاق. وبذلك يتبدد الأمل في أن تمثل الانتخابات العامل الأهم في تطوير النظم الحاكمة والفكر السياسي داخل المجتمعات الإسلامية.

ولأن الأحداث لها سياق تاريخي، فلا بأس أن نذكر شيئا من ذلك.

مباشرة بعد انتصار الثورة الإيرانية جرت أوّل انتخابات حرّة ونزيهة في تاريخ إيران. كان ذلك الحدث بمثابة إنجاز ثوري بكل المقاييس، وقد ساهمت فيه كل الفصائل الثورية بلا استثناء. كان الأمر يبدو كأنه منعطف تاريخي عظيم، مفعم بالآمال غير المسبوقة في التاريخ الحديث، إلى حد أن ناقدا كبيرا لبنية السلطة من حجم مشيل فوكو كاد يقع في غواية الحال لولا خيبة المآل.

بعد الثورة فاز التيار الليبرالي بقيادة المفكر الإيـراني أبوالحسن بني صدر في أول انتخابات، بنسبة أصوات فاقت السبعين في المئة، لكن سرعان ما انقلب عليه التيار الخميني بدعوى “حماية الثورة” (ممن؟). كان أبوالحسن بني صدر قارئا نهما لكارل بوبر، وكان يجول بكتاب كارل بوبر “المجتمع المفتوح وأعداؤه” أثناء تفقده لخنادق المقاتلين الإيرانيين إبان الحرب الإيرانية العراقية، في تأكيد منه على حجم ارتباطه بفلسفة الناقد الأكبر للنزعات الحتمية، كارل بوبر، غير أنّ الحرب نفسها- ولكي لا ننسى هذا- كانت عاملا كبيرا في الانقلاب على الآمال.

استغلّ المحافظون الخمينيون أجواء الحرب الإيرانية العراقية وانقلبوا على حكومة أبوالحسن بني صدر، وأجهزوا على فرصة بناء أول مجتمع ديمقراطي تعددي في العالم الإسلامي، بل فوق ذلك، استطاعت الأيديولوجية الخمينية، منذ فتوى قتل سلمان رشدي، أن تدشن رسميا عصر التكفير في العالم الإسلامي.

في أجواء الانقلاب الخميني، اضطرّ أبوالحسن بني صدر إلى الفرار للخارج، حيث أصدر كتابه الشهير “الآمال المغدورة”، يقصد فيه أنّ الأيديولوجيا الخمينية استطاعت إجهاض كل الآمال التحريرية للثورة، وحولتها إلى مجرد ثورة دينية مذهبية مغلقة. لقد فهم آيات الله الدرس جيدا: إذا خُير الناخبون الإيرانيون في انتخابات حرة ومفتوحة بين شخصية حداثية وشخصية أصولية محافظة، فلا دليل على أنهم سيحافظون بالضرورة على الخيار الثاني. لقد سبق أن صوتوا عام 1981 على المثقف الليبرالي الحسن بني صدر، ثم صوتوا في انتخابات 1997 على المفكر الإصلاحي محمد خاتمي. ويبدو أن المؤسسة الدينية الرسمية غير مستعدة لتكرار نفس الاختبار، لذلك، فإنها تفضل أن تتحكم في كل شيء.

لقد طلب المرشد الأعلى علي خامنئي من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد أن يسحب ترشيحه لانتخابات الجمعة 19 مايو الجاري. ومع أن نجاد كان مصرا على الترشح، إلا أنه بعد لحظة قصيرة من العناد، عاد إلى الصف، وسحب ترشيحه مفضلا الانضباط.

ماذا بعد؟ إذا لم يفز أي مرشح بنسبة أصوات تفوق خمسين في المئة، فبعد أسبوع ستجرى جولة ثانية. وفي كل الأحوال حتى ولو فاز حسن روحاني (صاحب العمامة البيضاء)- وهذا ممكن وقد يناسب علي خامنئي بالنظر إلى ملف المفاوضات حول النووي وتداعيات الحصار الاقتصادي- فليس مستبعدا أن يكون إبراهيم رئيسي (صاحب العمامة السوداء) والذي استطاع أن يفرض هيمنة شاملة على التيار المحافظ، هو المرشح الأوفر حظا لخلافة علي خامنئي، والذي يمر بوضع صحي حرج، وقد يكون على وشك الوفاة بسبب تفشي المرض.

كاتب مغربي

سعيد ناشيد

:: مقالات أخرى لـ سعيد ناشيد

سعيد ناشيد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر