الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

لا يستقيم الظل والعود أعوج

لن يستقيم الظل والعود أعوج، فلنتمعن فيها ولا نميعها ولا نبحث عن مشجب نعلق عليه إخفاقنا، ولنتوقف عن ممارسة دور الضحية، فنحن من بيدنا إنهاء المأساة التي أرجو ألا تكون أبدية.

العرب فتحي بن عيسى [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(8)]

يحرص كل منا خصوصا في ليبيا على إظهار تمسكه بالدين، خاصة إن كان ضيفا على برنامج تلفزيوني أو خطيبا أمام “حشد” من الناس، بل قد نكون أكثر تطرفا من المتطرفين أنفسهم، مستعينين بعبارات نمطية مقولبة من قبيل “الإسلام هو الحل”، “الشريعة مصدر وحيد للتشريع”، مزينين كلامنا بآيات قرآنية لا نجيد قراءتها في أحيان كثيرة، فضلا عن أن نكون حافظين لها.

كنت قد وصلتُ لنتيجة في مقالي السابق “من يحكم ليبيا؟” مفادها أن “من يحكم ليبيا ويتحكم فيها حقيقة هو جهلنا وطمعنا وجشعنا وفجورنا في الخصومة الذي بلغ حد ألا نجد حرجا في هدم ليبيا بمن فيها وعلى من فيها، نلوم زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا، فأنا لا أنكر نظرية المؤامرة، إلا أني أعتقد أن المؤامرة من صنعنا نحن، وأننا من يتآمر على نفسه ليدمر نفسه بنفسه”.

من بين الملاحظات التي وردتني ملاحظة متوقعة لم تفاجئني يقول أصحابها الذين أحييهم “ما جاء في المقال كلام جميل لكنه نظري، يحتـاج لـوقت طـويل، ونحن نـريد حلا سريعا، وحبذا لو وفرت جهدك لما هو أهم”.

هذه الملاحظة أردت مناقشتها اليوم وأرجو أن تشاركوني النقاش تصحيحا وتصـويبا وتفنيـدا وتوضيحا وشـرحا إن لزم الأمر، فرأيي في كـل الأزمـات التي نعانيها ليس في ليبيا فقط، وإنما في كامل المنطقة، مصدر الشر فيه ومستنقع الأوبئة، هو ما نحمله من فكر وما نتعايشه كثقافة.

فما يحمله كل إنسان من فكر هو المحرك لأفعاله، وما نراه من تصرفات هي نتاج ما نحمله من أفكار وما تشربناه كثقافة استقرت في عقلنا الباطن، فالعقل بمثابة الأرض، والفكر بمثابة الزرع، وأفعالنا بمثابة الثمار التي نجنيها في النهاية، فكيف ترجو حلوا وقد زرعت علقما مرا.

وهنا سأتوقف وأسأل هل نحن مؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى هو أدرى بما يصلح خلقه، وأنه وضع قوانين وقواعد لإدارة هذا الكون؟ ترى هل نستطيع الإجابة بنعم على سؤال الله لنا في سورة الملك “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”، وهل نحن فعلا صادقون عندما تنطق شفاهنا عقب الآية “صدق الله العظيم”.

أعلم مسبقا بحكم التجربة أن الجواب نعم، وأسمعك سيدتي القارئة سيدي القارئ تقول “عنده حق، كلام سليم”، وهذا يدفعني لأن أسأل من يؤمن بالقرآن؛ أليس القانون الإلهي المحكـم يقـول “إن الله لا يغير مـا بقـوم حتى يغيـروا ما بأنفسهم؟” فكيف نرجو تغييرا بخرق هذا القانون، ألسنا نردد كنوع من التثـاقف بأن الإنسـان سيحصل على نفس النتائج إذا استخدم نفس الخطوات؟

أما الأخوة والأخوات الذين يرون في استدلالي هذا نوعا من تغييب الوعي باعتبار أن”الدين أفيون الشعوب”، فأحيلهم إلى علماء النفس الغربيين كألفرد أدلر، جوردون ألبورت، نيفيت سانفورد، ألبرت باندورا، جون ديوي، هافلوك أليس، هانز آيزنك، فيلهلم رايش، آنا فرويد، سيجموند فرويد، إريك فروم، فرانسيس جالتون، ديفيد هيوم، وليام جيمس، ألفريد كينسي، بريندا ميلنير، إيفان بافلوف، أوتو، كارل روجرز، جوليان، تشارلز سبيرمان، إدوارد تيتشنر وسواهم، وملخص الأبحاث العلمية لهم إن “العقل البـاطن ويعـرف بالعقـل اللاواعي واللاشعور، هو مفهوم يشير إلى مجموعة من العناصر التي تتألف منها الشخصية، بعضهـا قـد يعيه الفـرد كجزء من تكـوينه، والبعض الآخـر يبقى بمنأى كلي عن الوعي ويضم المحركات والمحفـزات الداخلية للسلـوك”، وهنا مربط الفرس، “المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك” أي ما تضعه في عقول الناس ستحصده في أفعالهم وسلوكهم.

وبالمناسبة فقوانين برمجة العقل الباطن بلغت 11 قانونا مترابطة، سأقف عند قانون العادات الذي يقول “إن ما نكرره باستمرار يتراكم يـومـا بعـد يـوم حتى يتحول إلى عـادة دائمة”، وقانون الفعل ورد الفعل الذي يقول “عندما تكـرر نفس السبب سوف تحصل بالتأكيد على نفـس النتيجة، أي أن النتيجة لا يمكن أن تتغير إلا إذا تغير السبب”.

لهذا ولأنها سنن بمعنى قوانين إلهية ولن تجد لسنة الله تبديلا، فأي خطوة جادة لإنقاذ أنفسنا من واقعنا المزري والمتخلف والمنحط، تبدأ بإعادة حرث الأرض “العقل”، واستبدال الزرع “الفكر” لنحصل على أشهى الثمار ونتمتع بمذاقها وتحفظ لأجسامنا “المجتمع” قوته وتماسكه وترابطه.

الطريق طويلة، نعم طويلة وطويلة جدا، لكن النهاية مضمونة العواقب. لقد تأخرنا كثيرا وأخرنا شعار “هذا الأمر يحتاج لوقت وليس لدينا ترف الوقت”.

عندما أسمع هذا المخدر الفتاك أقول من يطلب نتائج سريعة كمن يطلب من زوجته أن تنجب له طفلا خلال أسبوع، ومن يؤجل الزواج لأن ثمرته تحتاج لتسعة أشهر، لن يحصل على الطفل الموعود. لهذا يجب أن نبدأ دون إبطاء.

نحن ضحايا ثقافة جعلت من قتال بين أخوة وأبناء عم لأجل ناقة ولأجل حصان استمر أربعين عاما حُصدت فيه أرواح وانتهكت حرمات، مثالا للفخر والبطولة وجعلته يوما من أيام الأمة المجيدة.

نحن ضحايا ثقافة تتغنى بالعناد وترى في التنازل لأجل القيم منقصة وخارما من خوارم المروءة والشهامة، فحفظنا عن ظهر قلب “ونحن أناس لا توسط عندنا.. لنا الصدر دون العالمين أو القبر”، يعني يا نحكم يا نموت.

ستستمر مأساتنا قرونا طالما نحن مصرون على التمسك بنمط تفكيرنا، وتقديس الموروث، وتكرار نفس الخطوات لنحصد نفس النتائج.

نردد دوما “لا يستقيم الظل والعود أعوج”، ولكننا نغفل عمن هو الظل ومن هو العود، أي بمعنى آخر من الأصل ومن الفرع أو الصورة إن جاز التعبير، سيقول أغلبنا: الحكام هم العود ونحن الشعوب الظلال، أليس الناس على دين ملوكهم؟ وهي قاعدة تناقض قواعد الشريعة لمن يدعي التمسك بها، ولا يسندها أي بحث علمي لمن يحرص على العلم التجريبي ويدعو له.

من انتخب النواب والحكام؟ أليس المرشحون هم أبناؤنا وأخوتنا وأهلنا وأصدقاؤنا؟، ألسنا نضع أصواتنا في صناديق الانتخاب لمن له بنا قرابة وصداقة وإن كان تافها لا يصلح لشيء، ونحارب ونرفض التصويت لمن كان كفؤا فقط لأنه من عائلة غير عائلتنا أو قبيلة نراها أقل مرتبة من قبيلتنا؟

ألسنا نصفق ونطبل لمن يعطينا ما ليس لنا بغير حق، ونعتبره فارسا وكريما وذا مروءة، ونلعن ونلفق التهم ونشوه من يطبق القانون ويحترم النظم لأنه رفض وساطتنا أو لم يأخذ بجاهنا؟

لن يستقيم الظل والعود أعوج، فلنتمعن فيها ولا نميعها ولا نبحث عن مشجب نعلق عليه إخفاقنا، ولنتوقف عن ممارسة دور الضحية، فنحن من بيدنا إنهاء المأساة التي أرجو ألا تكون أبدية.

كاتب وصحافي ليبي

فتحي بن عيسى

:: مقالات أخرى لـ فتحي بن عيسى

فتحي بن عيسى

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر