الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

عادل السيوي يستلهم من الحيوان مفرداته التشكيلية

  • تستضيف قاعة “مشربية” في العاصمة المصرية القاهرة وحتى نهاية مايو الجاري، تجربة جديدة للفنان المصري عادل السيوي تحت عنوان “في حضرة الحيوان”، وهي تجربة ملهمة، يوغل خلالها السيوي عميقا في اقتناص التشابهات ونقاط التقاطع والتواصل بين البشر والحيوان.

العرب ناهد خزام [نُشر في 2017/05/19، العدد: 10637، ص(17)]

كائنات سحرية

اتسمت أعمال التشكيلي المصري عادل السيوي في بداياته بالحركة والانفعال، كان السطح حينها متوترا وصاخبا، وبدا كأنما يصور الأشياء إثر زوبعة عاتية، كان هذا قبل أن يتحول إلى رسم الوجه، وهي مرحلة قضى فيها سنوات عديدة تداخلت بين ملامحها سمات الأسطورة والأقنعة الأفريقية ورسوم الكهوف ووجوه الآلهة المصرية القديمة وملامح المارة في زحام القاهرة.

ومن الوجه انتقل السيوي إلى تجربته التي تفيض بالحنين إلى الماضي، والتي تناول فيها وجوه وملامح طالما أثرت فى الوعي والمحيط المصري والعربي بشكل عام، حين رسم نجوم السينما وأبطالها فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

بعدها رأينا أعماله وهي تتسلل خفية إلى الجسد بكل تضاريسه وإيحاءاته وقدرته على السرد البصري، واتسعت الرؤية أكثر وبدت لنا التفاصيل في رونقها واتساقها.. رجال ونساء يعبرون في لمح البصر على صفحة الذاكرة من بين زحام المدينة، من وسط الأقارب والأصدقاء، في الشارع والمقهى، أو حتى من دهاليز التاريخ ليستقروا في النهاية على تلك المساحة المرسومة تحيطهم الدرجات الذهبية وتخترق العلامات والرموز فضاءهم الشاسع.

وها نحن الآن أمام تجربة جديدة للفنان عادل السيوي تستضيفها حاليا قاعة “مشربية” في القاهرة تحت عنوان “في حضرة الحيوان”، حيث قضى التشكيلي المصري ست سنوات في العمل المتواصل على حضور الحيوان، وعليه فإن ما نشاهده هنا ليس فقط معرضا فنيا، وإنما هو في الأساس فرصة لتأمل تجربة أوسع قضاها السيوي في تتبع هذا التجلي الجسدي للحيوان وعوالمه الداخلية وتعارضات علاقته الغامضة بالإنسان.

كان الحيوان حاضرا في أعمال السيوي منذ معرضه الأول في مطلع الثمانينات من القرن الماضي وطوال رحلته في التشكيل، حيث كان يتبدى كحضور مفرد مرة هنا ومرة هناك.

وكانت الكائنات التي يستدعيها آنذاك كائنات صامتة وكأنها انتزعت من عالم الأحلام، قططا وكلابا وطيورا وزواحف، تظهر بصحبة البشر في مسيرتهم الوجودية، أو كما لو كانت حراسا على أماكن، وأمناء على أسرار، أو كأيقونات قديمة نجت بفعل الصدفة وحدها.

غواية التداخل بين الكائنات وتحولاتها حاضرة أيضا بقوة بين الأعمال، وتثير هواجسنا حول طبيعة تلك الحيوانات المؤنسنة التي تشارك في الكوميديا التي يخرجها السيوي

ويضم معرض “في حضرة الحيوان” 270 عملا ما بين لوحات مفردة وأخرى تجميعية وطبعات وحيدة ورسومات، وقد تم انتخاب هذه الأعمال بالتحديد للعرض من بين العديد من الأعمال الأخرى، حيث تكشف أبعادَ وملامحَ المسيرة التي قطعها الفنان مع ثيمة الحيوان في الأعوام الستة الماضية بشكل خاص.

وخلال تلك السنوات الست حوّل السيوي دهشته وولعه بحضور الحيوان إلى مشروع طويل للتأمل والدراسة والعمل بشكل متواصل، فقطع مرحلة أولية طويلة أنجز خلالها العديد من الرسومات والدراسات على الورق، وكانت في الأغلب تحاول الإمساك بالملامح والأبعاد الجسدية للحيوان في المقام الأول، كي تنتقل بعدها لكشف شخصيته وخصوصيته ككائن.

ولم تكن تلك الدراسات معنية فقط ببنية الحيوان المادية، ولا بمحاكاة حضوره الواقعي، ولا بالرصد العلمي الدقيق لتفاصيله الجسدية، فقد انجذب الفنان بدرجة أكبر إلى عناصر اللون والملمس والحركة والنظرة والسلوك الجسدي، في محاولة منه للنفاذ إلى “الشخصية” أو الروح الكامنة خلف هذا التبدي الجسدي الباذخ للحيوان.

انتقل السيوي بعد ذلك إلى تأسيس المجال أو الكون الخاص الذي يمكن أن تحضر داخله كافة الكائنات بكامل أهليتها، بغض النظر عن طبيعتها الخاصة، بلا تراتبية أو تمييز للأدوار، وخارج مفهوم القيمة أوالبطولة. ومن هناك شكلت أعماله التي تميل إلى السرد، حلقة وصل هامة، مثل تلك التي تدور حول ثيمة “العائلة” وتتناول العلاقات البدائية الأولية. ولكن حتى في هذه الأعمال لا يظهر الحيوان بوصفه رمزا أو مجازا، إذ يظل محتفظا بكامل غموضه، كحضور يصعب اختراقه أو توقع ما هو كامن بداخله، ويقاوم أي محاولة لتقييده داخل معنى بعينه أو بدلالة محددة.

غواية التداخل بين الكائنات وتحولاتها حاضرة أيضا بقوة بين الأعمال، وتثير هواجسنا حول طبيعة تلك الحيوانات المؤنسنة التي تشارك في الكوميديا التي يخرجها السيوي كما في لوحتي “الغيرة تأكل الروح” أو “درس الطيران”، ويظهر الإنسان في بعض الأعمال الأخرى وقد اكتسى بملامح الحيوان كما في سباعية “أيام الجدي” وبورتريه “الرجل الفيل”، وقد يغيب خلف الحيوان تماما كما في “الأمير المسحور”.

ومع ذلك، تطل العلاقة بين ما هو إنساني وما هو حيواني مستترة ومفتوحة على كافة الاحتمالات، وكأننا نتابع حلما كما في لوحتي “المطاردة” و”الزرافة الميكانيكية”.

ويستدعي السيوي في هذه التجربة أعمالا أنجزها فنانون آخرون، ليعيد صياغتها من داخل نسيجه البصري الخاص، وكأنه يخرجها من زمنها لتشاركه الوجود في هذه اللحظة المعاصرة، كما يستجيب للإشارات التي ترد إلى عالمه من عالم الأدب أو السينما أو من تاريخ الفن مباشرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر